شريط الاخبار
الداخلية تنفي التحقيق مع عبد الغني هامل مخطط عمل لمواجهة خطر الأوبئة المتنقلة عن طريق المياه بارونات تهريب العملـة إلى الخارج يغيّرون مسالك عملياتهم متقاعدو الجيش يقررون تعليق حركتهم الاحتجاجية مؤقتا توقيف جزائري وسوري في البوسنة بحوزتهما أسلحة تصريحات باجولي شخصية ولا تُمثله إلاّ هو˜ الرئاسة تُلغي قرار أويحيى بخوصصة مجمّع فرتيال˜ مجلس الوزراء ينعقدغدا للمصادقة على مشروع قانون المالية التشريعات الخاصة بتسيير الكوارث الطبيعية تحتاج إلى تحيين اجتماع الجزائر ينعش البرميل˜ وتوقعات ببلوغه 100 دولار بداية 2019 التغيرات المناخية تنعكس سلبا على الأمن الغذائي في الجزائر طاسيلي إيرلاينس تتحصل على الاعتماد الدولي للمرة الرابعة على التوالي تفكيك شبكة مختصة في التهريب الدولي للمركبات إحباط محاولة حرقة 44 شخصا بوهران وعين تموشنت بوحجة ينجح في إبعاد بشير سليماني 13 ألف شراكة سمحت بتأهيل 650 ألف ممتهن  قطارات لنقل المعتمرين من المطار إلى مكة والمدينة هذا الموسم أويحيى يرفض الانضمام لمبادرة ولد عباس الحكومة تمنح عددا محددا من التأشيرات˜ لمسيحيي الكنيسة الكاثوليكية لحضور تطويب الرهبان قايد صالح: على أفراد الجيش إدراك المهام الموكلة لهم لحماية البلاد˜ طلبة وأطباء وعمال يتمسكون بمطالبهم ويعودون إلى الشارع غضب عمالي على خوصصة مجمّع فرتيال˜ ركود في سوق السيارات المستعملة وتراجع ملحوظ في الأسعار طيف اجتماع 2016 يخيم على لقاء "أوبك" وسط مساع لضمان استقرار السوق النسر السطايفي يحلق في سماء القارة بحثا عن نجمة ثالثة حفتر "يتخبط" في تصريحات متناقضة ويثني على دعم الجزائر له في "حرب بنغازي" مفارز الجيش تشدد الخناق محاولات اغراق الجزائر بالأسلحة انتشال جثة طفلين غرقا ببركة مائية بالجلفة تمديد فترة التسجيلات الخاصة بالنقل والمنحة إلى غاية 30 سبتمبر اكرموا دحمان الحراشي أفضل تكريم أو اتركوه في راحته الأبدية منع المنتخبين غير الجامعيين من الترشح لانتخابات "السينا" السفير الفرنسي السابق يكشف ازدواجية المواقف الفرنسية فضاء ترفيهي عائلي ضخم على الحدود الجزائرية-التونسية أويحيى يرافع لتقدم التعاون الثنائي مع مالي لمستوى العلاقات السياسية إجراءات بن غبريت لضمان التأطير البيداغوجي والإداري مستقبلا وفاة البروفيسور ابراهيم ابراهيمي بالعاصمة الفرنسية باريس المقاطعة مستمرة والأسعار سترتفع! زعلان يكشف عن استلام الطريق الوطني رقم 01 في جانفي 2019 مجندي الاستبقاء للعشرية السوداء يحتجون بتيزي وزو أزواج يتخلــون عـن مسؤولياتهـم ويتركــون أسرهــم بدافـع الظـروف الاجتماعيــة

أمسية صيف في ضيافة «الأب المؤسّس» للأدب المغاربي قبل 20 سنة

هكـــذا تحـــدَّث محمـــد ديـــب..


  16 جوان 2014 - 17:35   قرئ 2159 مرة   0 تعليق   مساهمات
هكـــذا تحـــدَّث محمـــد ديـــب..

قصة اللقاء الصحفي الوحيد معه منذ العام 1969!

 

قبل عقد وعام من الزمن، غيَّب الموت، في 3 ماي 2003، الأديب الجزائري الكبير محمد ديب، الذي يعد «الأب المؤسس» للأدب المغاربي المكتوب باللغة الفرنسية، وآخر الأحياء من «جيل الرواد» الذين واكبوا بأعمالهم الأدبية حركات التحرر الوطني في العالم العربي. وقد كان محمد ديب أكثر أبناء جيله غزارة وانتظاما في الكتابة، حيث أبدع خلال مسيرته الأدبية الحافلة، التي امتدت لأكثر من نصف قرن، 34 عملا أدبيا، بين الرواية والشعر والقصة القصيرة والمسرح. وفضلا عن كل ذلك، فقد كان لديه اهتمام خاص بالقصص التراثية والحكايات الشعبية المغاربية التي قام بدراستها وتجميعها في أربعة كتب متباعدة صدر أولها عام 1959 وآخرها عام 2001، مما يبيّن الاهتمام الاستثنائي الذي كان محمد ديب يوليه لهذا التراث الحكائي الشعبي، حيث استغرق منه إنجاز هذه الكتب أكثر من أربعين عاما!

 

رغم انتظام وغزارة إنتاجه، وكونه الأكثر تأثيرا في الساحة الأدبية المغاربية من بين أبناء جيله والأجيال اللاحقة التي تتلمذت عليه، طيلة نصف القرن الماضي، إلا أن محمد ديب فرض على نفسه عزلة تامة، منذ استقلال بلاده في العام 1962. لم يشارك في أيّ من النقاشات الفكرية والسياسية الملتهبة التي فجّرها بعض أقرانه، أمثال كاتب ياسين ومالك حداد ورشيد بوجدرة والطاهر وطار. ولم يدل بأي حوار صحفي، منذ العام 1969، حين أجرت معه صحيفة «لو فيغارو» الفرنسية مقابلة خاصة، وفوجئ بأن أقواله تعرّضت للكثير من التحويرات المغرضة، بما أساء إلى فكره ومواقفه. فقطع على نفسه عهدا بألا يدلي بأية تصريحات صحفية أخرى، تاركا لأعماله «أن تتحدث بنفسها وعن نفسها»، كما كان يقول.

لذا، فقد كانت سعادتي كبيرة، حين وافق في صيف العام 1994 بأن أجري معه حوارا صحفيا كان الأول من نوعه بعد ربع قرن من العزلة التامة. وكنتُ قد تعرفتُ إليه، في بداية التسعينات، خلال ندوة أدبية اشترك فيها بـ «فناك ـ مونبارناس» في باريس. انفردتُ به بعد الندوة، وتحدثنا مطوّلا، وتعمّدتُ أن أهديه عددا جديدا من جريدة «ألجي ـ ريبوبليكان»(الجزائر ـ الجمهورية)، التي شهدت بداياته كصحفي في الأربعينات، إلى جانب كوكبة من الكتّاب الشباب الذين أصبحوا لاحقا أسماء ثقافية لامعة، أمثال ألبير كامو وكاتب ياسين وهنري علاّق وعبد الحميد بن زين، وغيرهم. كانت هذه الصحيفة قد صُودرت مرة أولى، سنة 1958، في أوجّ «معركة الجزائر»، من قبل السلطات الاستعمارية، ثم عاودت الصدور بعد الاستقلال، وحُظرت مجددا، سنة 5196، بعد الانقلاب الذي أطاح بالرئيس بن بلة. وفي العام 1989، شاركتُ برفقة فريق جديد من الصحفيين الشباب في إعادة بعثها إلى الوجود مجددا، في خضم موجة التحوّلات الديموقراطية التي عرفتها الجزائر آنذاك.

أبدى محمد ديب سعادة كبيرة بعودة الصحيفة التي شهدت بداياته إلى الصدور مجددا، وكان يحدّثني بإسهاب ـ خلال مكالماتنا الهاتفية المنتظمة، بعد ذلك اللقاء الأول في «مونبارناس» ـ عن ذكرياته في «ألجي ريبوبليكان»، والصداقة العميقة التي نشأت بينه وبين ألبير كامو، رغم خلافهما الجذري في الموقف من ثورة التحرير الجزائرية. وروى لي طرائف كثيرة عن زميله الروائي المشاغب كاتب ياسين، وكيف كتب رائعته «نجمة»، خلال أوقات فراغه، في ساعات الدوام بالجريدة، على قفا الأوراق المتدلية من آلة التيلكس، التي كان مكلفا بفرز برقياتها وتوزيعها على مختلف أقسام الجريدة!

في العام 1994، كانت أعمال العنف واغتيال المثقفين في الجزائر قد بلغت أوجها. أحسستُ، وأنا أتحدث إلى محمد ديب على الهاتف، ببليغ تأثره بذلك «الحريق» الجزائري الجديد، فسألته: «ألم يحن الوقت بعد لأن يخرج محمد ديب عن صمته، ليسمع الجمهور الواسع مواقفه من الأحداث الدرامية التي تمزق بلاده؟» فأجابني قائلا: «إنني لا يمكن أن أقف على الحياد، حيال ما يحدث من مآس في بلادي. لكنني كاتب ولست رجل سياسية، لذا لا أريد التعبير عن رأيي في بيان أو تصريح صحفي، بل أفكّر في كتابة رواية جديدة عن الجزائر، أعبّر فيها عن مواقفي وآرائي».

وسألني: «ألا تعتقد أنه بهذه الطريقة سيكون إسهامي في النقاش الفكري حول الأحداث الحالية في الجزائر أعمق وأكثر فائدة؟» فأجبته: «بالطبع، إن عملا روائيا جديدا لمحمد ديب حول «الحريق» الجزائري الجديد سيكون حدثا بارزا. لكن مثل هذا العمل الإبداعي يستغرق أشهرا أو ربما سنوات، قبل أن ينضج ويكتمل. فهل تعتقد أن الوضع الدامي في الجزائر يحتمل مثل هذا الانتظار؟ أم هل يجب الخروج بتصريح مبدئي عاجل للتعاطف مع الكتاب والمثقفين الذين يسقطون كل يوم ضحية التطرف والظلامية؟» وفكّر مليا، ثم فاجأني بالقول: «تعال إلى البيت، وسنرى...»

أمسية صيف في سان كلو:

ما أزال إلى اليوم أذكر صوت محمد ديب الأبوي، وهو يشرح لي بإسهاب، على الهاتف، كيف استقل القطار من محطة «سان لازار» في باريس إلى ضاحية «سيل سان كلو» حيث كان يقطن: «إن القطار نحو «سان نون لا بروتيش» ينطلق من الرصيف الذي على أقصى اليسار. وعليك أن تنزل في محطة «سان كلو»، وأن تقطع الجسر إلى الطرف الآخر من سكة الحديد، ثم تأخذ الباص المتوجه إلى «دونان»، واطلب من السائق أن ينبّه عليك للنزول في محطة «بورت دو بوي»...

كان ذلك يوم الاثنين 4 جوان 1994، في نحو الثالثة ظهرا. حين دققتُ باب بيته، أحسستُ وكأني أقف على عتبة أسطورة حية، ففي هذه الشقة المتواضعة، التي يقطن فيها منذ العام 1959، كتب أشهر أعماله. وهي شقة لم يدخلها صحفي منذ نهاية الستينات.

فتح لي محمد ديب الباب بنفسه، قائلا: «لم تتأخر كثيرا. لقد اهتديتَ إلى الطريق دون صعوبة، إذن؟» قدّم لي قهوة طهاها بنفسه، وجلس قبالتي في ذلك الصالون الأنيق والمتواضع الذي اتخذ منه محترفه الإبداعي منذ نهاية الخمسينات، وتشعب بنا الحديث من الأدب إلى السياسة إلى ذكرى الأصدقاء الذين رحلوا...

تحدث محمد ديب بكثير من الحب عن الروائي المغربي الراحل محمد خير الدين، قائلا أنه من أكثر كتاب المغرب العربي إبداعا وتميزا. واستحضر الكثير من طرائف ذكرياته مع كاتب ياسين: «اتصل بي مرة من بوردو (في الخمسينات)، وقال لي أنه وجد عملا كمساعد كهربائي، فخشيتُ جدّيا على حياته، وخفتُ أن يصعقه التيار الكهربائي فيصاب بسوء، لأنني كنت أعرف أنه لا يجيد فعل أي شيء بيديه، عدا الكتابة!»

سألتُه عن رأيه في الأجيال الجديدة من كتّاب المغرب العربي، فقال: «أحب كثيرا كتابات مراد بوربون، وآسف لكونه لم يكتب سوى رواية واحدة، ثم سرقه التأليف السينمائي. وأعجبتُ كثيرا بكتابات الراحل (الشهيد) الطاهر جاووت (اغتيل من قبل الجماعات الإسلامية المسلحة، في مايو 1993)، وحين تعرّفت إليه شخصيا، أعجبتُ أكثر بلطفه ودماثة أخلاقه».

وأضاف: «أحب كثيرا روايات رشيد بوجدرة، لكنني لا أطيق الرجل! مرة استدعيته هنا في البيت على الغداء، برفقة مجموعة من الكُتّاب، ونجح في أن يفتعل مشاجرة واشتبك بالأيدي مع زميل آخر، أعتقد أنه مراد بوربون». (لعل موضوع الخلاف كان إهمال بوربون ومحمد لخضر حامينا إبراز الدور المركزي الذي لعبه بوجدرة في كتابة سيناريو «وقائع سنوات الجمر» ـ السعفة الذهبية في مهرجان «كان» ـ 1975). بالمقابل، أستدرك محمد ديب: «استلطفتُ كثيرا الحديث مع الطاهر بن جلون، فهو خلوق وطيب المعشر. لكنني صراحة لا أحب أدبه على الإطلاق»!

وحين هممنا ـ أخيراـ بالشروع في الحوار، وكنا قد أمضينا أكثر من ساعتين في الدردشة، فوجئت بمحمد ديب يسبقني بالسؤال، قائلا: يهمني أن أعرف كيف ترى أنت، ابن الستينات، إلى أدب محمد ديب؟ وأن تنقل لي كيف تتابعه الأجيال الجديدة من القراء في الجزائر والعالم العربي؟

فأجبته بأن من الصعب الإحاطة بشكل كامل بتجربة أدبية امتدت لأكثر من نصف قرن، وتميزت بالغزارة والثراء والتنوع، وبقدرة مشهود بها على التجدد والمغايرة، إن على مستوى الأشكال والأساليب الفنية أو على صعيد المضامين والمواضيع المُعالَجة. لكن من الواضح، بالنسبة لي، أن هذه التجربة تنقسم إلى 3 مراحل مختلفة، تكاد تفتقد إلى أية صلات مشتركة في ما بينها. أولها المرحلة المسماة بمرحلة «الواقعية الثورية» (الثلاثية الأولى)، خلال حرب التحرير الجزائرية في الخمسينات، ثم مرحلة «الواقعية النقدية» (الثلاثية الثانية)، في الستينات وبداية السبعينات، ثم جاءت بعد ذلك المرحلة الثالثة التي تدور فيها أحداث روايات «ثلاثية الشمال» في المجتمعات الأوروبية، وليس في البيئة الجزائرية الأصلية.

مسافة نقدية:

سألتُه: ما هي الأسباب التي جعلت مضامين أعمالك في تلك المراحل الثلاث تتباعد وتتباين إلى ذلك الحد؟

فأجاب: «لعل اختلاف مضامين أعمالي في كل تلك المراحل يجد تفسيره في تطورات الأحداث التي عايشتها أو كنت طرفا فيها. وأذكر أنني قبل أن أكتب روايات «الثلاثية الأولى»، كانت لي كتابات أخرى لم أنشرها، سابقة لفترة حرب التحرير، وبقيت غير معروفة، وكانت كتابات ذات هواجس فنية وجمالية بالدرجة الأولى، تختلف في مضامينها كثيرا عن «الثلاثية» التي جاءت في خضم الحركة الوطنية الجزائرية، وكانت إسهاما مني في التعريف بقضية بلادي وثورتها، حيث قررت آنذاك أن من واجبي أن أصهر صوتي في الصوت الجماعي للشعب الجزائري، وأن أجعل من كتاباتي أسلحة بيد الثورة الوطنية».

«أما بعد الاستقلال، فقد اختلف الوضع كثيرا. الاستقلال بالنسبة لنا ككتّاب وطنيين متمرّدين على الاستعمار كان حدثا رائعا. ذلك أننا وضعنا كل إبداعنا في خدمة قضيتنا الوطنية، وعندما حصلت البلاد على استقلالها، أصبح بإمكاننا أن نتحرّر بدورنا، وأن نصبح «كتابا مستقلِّين» يعبِّرون أساسا عن ذواتهم ومشاغلهم الحميمة، دون أن يكون مفروضا علينا ـ كما في السابق ـ أن نكون محامين نُرافِع باستمرار باسم شعوبنا وأوطاننا. صحيح أن كتاباتنا ظلّت مرتبطة ببيئتنا ومجتمعاتنا، لكن مشاغلنا أصبحت شخصية وحميمية أكثر، ولم تعد متعلقة فقط بالنضالات السياسية والاجتماعية، كما في فترة حركة التحرّر. وهكذا بدأنا تدريجيا نكتشف ذواتنا ومشاغلنا الحميمة ونعبِّر عنها في كتاباتنا. وأصبح الفرد هو مركز اهتمامنا، حتى في أعمالنا الجديدة ذات البعد الوطني...»

سألته: لماذا اختلفت الأمور بعد الاستقلال؟ ولمَ أصبحت كتاباتك، منذ «الثلاثية الثانية»، أكثر انتقادا لأوضاع بلادك وواقعها بعد الاستقلال؟

فأجاب: «إن «الواقعية النقدية» التي يتحدّث عنها النقاد بالنسبة لـ «الثلاثية الثانية» مرجعها أنني انتقلت للعيش في بلدان أخرى غير بلادي. فبالإضافة إلى تغير أجواء رواياتي في الزمان والمكان، تغيّرت أيضا في هذه المرحلة نظرتي إلى أوضاع بلادي، وصارت أكثر تعمّقا. البُعد دوما يجعلنا نرى الأشياء بشكل أعمق وأكثر موضوعية. لا أدري هل سبق لك أن شاهدتَ فنانا تشكيليا أثناء اشتغاله على لوحة جديدة؟ إنه في لحظة معيّنة يحتاج، قبل إتمام اللوحة، إلى الابتعاد عنها ببضع خطوات إلى الوراء، كي يراها بشكل أفضل وأكثر شمولية وموضوعية، ولكي يكوِّن عنها الانطباع النقدي اللازم.. وهذا ينطبق تماما على تلك المرحلة الثانية من كتاباتي، فبعد الاستقلال أصبح من حقي تسليط مثل هذه النظرة النقدية على بلادي. لكنه نقد يخلو تماما من الضغينة، وهو أشبه ما يكون بانتقاد الذات أو بالعتاب الذي نوجِّهه إلى شخص عزيز علينا كثيرا، نعتب عليه ـ هو بالذات ـ لأننا نحبه! فأنا حتى عندما أنتقد الحركات الأصولية الجزائرية، التي أختلف معها بشكل جذري، أتعامل معها دون ضغائن، وأعتبر عناصرها مثل أبنائي تماما، مثلهم مثل كافة الجزائريين. ويتملكني شعور كشعور الأب الذي لا يمكن له أن يحقد على أحد من أبنائه، مهما كانت درجة سخطه على تصرفات هذا الإبن، ومهما كانت هذه التصرّفات تستدعي العقاب...»

إعادة اكتشاف الذات:

سألته: ماذا عن المرحلة الثالثة التي ابتعدتَ فيها تماما عن هموم وانشغالات بلادك، وصارت رواياتك، منذ «الثلاثية الثالثة»، التي أسماها بعض النقاد «ثلاثية الشمال»، تدور أحداثها في البيئة الأوروبية التي انتقلت للعيش فيها، منذ استقلال الجزائر؟

فقال: «تجربة الهجرة إلى خارج البلاد، بالإضافة إلى تلك الرؤيا النقدية التي أتاحتها لنا، أنا وأبناء جيلي من الكتاب المغاربيين، سمحت لنا بأن نكتشف ذواتنا بنفس القدر الذي اكتشفنا به ذوات الآخرين. وتحضرني في هذا الشأن مقولة الشاعر آرتر رامبو الشهيرة: «أنا شخص آخر». وأعتقد أننا لا يمكن أن نكتشف الجوانب الخفية في ذواتنا إلا عبر الترحال والمنفى. فإذا بقينا وسط بيئتنا الأصلية، فإن ذواتنا ستبقى أسيرة لها. ومتى تحرّرنا من تأثير هذه البيئة، تكشَّفت لنا ذواتنا بنفس القدر الذي تتكشَّف به لغيرنا! وكثيرا ما نندهش من اكتشاف ذواتنا أكثر مما يندهش منها الآخرون. وأعمالي منذ «ثلاثية الشمال» تتمحور أساسا حول هذا الاكتشاف الجديد للذات، فلو أنني بقيتُ في بلادي لما أُتيح لي ذلك، ولبقيتْ معرفتي لذاتي ولشعبي وللشعوب الأخرى محدودة جدا...»

وأضاف: «أعتقد أن النظرة التي أرى بها في رواياتي إلى الشعوب «الشمالية» (الأوروبية) مهمّة للغاية بالنسبة لثقافة بلادي. فمن قبل، حين كنّا تحت وطأة الاستعمار، كان الأدب «الكولونيالي» يسمح لكُتَّاب قادمين من أوروبا بأن يلقوا على مجتمعاتنا «الجنوبية» نظرتهم الشمالية الباردة والمتعالية. وما أفعله اليوم هو الأخذ بالثأر منهم، حيث أجعل من شعوبهم مادة أقدّمها في رواياتي وفق نظرتي الخاصة ككاتب قادم من الجنوب»!

سألته: ما الذي تغيّر في انشغالاتك وهواجسك الفكرية بسبب حياة المنفى الطويلة؟

فقال: «دعني أجيبك على هذا السؤال انطلاقا من مفارقة طريفة. فأنا أصبحت جزائريا، على مستوى أوراق الهوية الرسمية، منذ أن صرتُ أعيش في فرنسا، أي بعد الاستقلال! بينما كنتُ من قبل، أثناء الفترة الاستعمارية، مرغما ـ ككل الجزائريين ـ على حمل الجنسية الفرنسية. كان الاستقلال حدثا رائعا سمح لي بأن أستعيد هويتي الأصلية التي حُرمت منها طويلا، ولذا ظللتُ دوما متمسِّكا بجواز سفري الجزائري، رغم استقراري في أوروبا منذ الستينات».

«بعد الاستقلال، تولّدت لديّ رغبة جامحة في اكتشاف كل ما يتعلّق بهويّتي المستعادة، وخاصة أنني وجدت نفسي حين استعدتُها أعيش ـ مضطرا ـ في بيئة أجنبية وغير مسلمة. ولو بقيت أعيش في الجزائر بشكل يومي لاستعصى عليّ اكتشاف هويتي وتراثي الثقافي والديني بنفس هذا القدر من الإعجاب والعمق. بُعدي عن بلادي دفع بي إلى تعميق نظرتي وتحليلي للمتخيّل الثقافي العربي ـ الإسلامي الذي أنتمي إليه. وبذلك ازددت قربا وتعلّقا بالثقافة الإسلامية بفعل كوني أعيش بعيدا عن البلاد الإسلامية»!

وأضاف: «قد يبدو هذا الأمر غريبا، للوهلة الأولى، لكن الانغماس في واقع مجتمعاتنا الإسلامية الحالية بكل تفاصيلها اليومية ومشاكلها الشائكة يصبح بمرور الوقت أشبه بـ «الشجرة التي تحجب الغابة»، كما يقول المثل، بحيث تحول بيننا وبين رؤية وإدراك العمق الروحي والحضاري لتراثنا الإسلامي. وأعتقد أن أهم انشغالاتي الفكرية منذ أن استقررتُ في المنفى انصبّت في التأمل بهذا الجانب الروحي للتراث الإسلامي، وما فيه من ثراء وتعدّد وتسامح».

قلتُ: هل هي «النزعة الصوفية» التي أشار إليها الراحل جاك بيرك في رواياتك الأخيرة؟

فأجاب: «هناك بالفعل نزعة روحية. لكنّي لا أحبّذ كثيرا استعمال كلمة «صوفية». ولعل الراحل جاك بيرك يقصد بذلك المعنى الشائع للصوفية، بمفهومه المتداول في عصرنا الحالي، وخاصة في الغرب، والذي يعني النزعة الروحية التأملية.. وليس المعنى الأصلي للصوفية، وما تفترضه من قواعد وطقوس وممارسات عقائدية. من هذا المنظور، نعم كل ما يتعلق بالجانب الروحي في تراثنا الإسلامي يهمّني. وأنا أؤمن بأن هذا التراث ليس ميتا أو ماضويا بالضرورة، رغم أننا انشغلنا عنه طويلا، إلى درجة أنه لم يعد جزءا من ممارستنا الفكرية الراهنة. مما يفسِّر لماذا أصبح من الصعب علينا إعادة إنتاج هذا التراث حاليا، دون السقوط في السلفية والماضوية الساذجة والمستلبة. وأنا ممن يرون أن إعادة اكتشاف هذا التراث يجب ألا تكون مسعى هادفا لإعادة تشكيل نموذج ماضوي جاهز، بل علينا أن نلتفت إلى الفكر الإسلامي في شموليته وتعدده وبُعده العالمي».

واجب الإدلاء بالحقيقة:

بالطبع، كان عليّ أن أسأل محمد ديب عن مواقفه من الأحداث الدموية الدائرة في الجزائر، آنذاك، وعن مشروع الرواية التي قال أنه يفكر في تأليفها عن «الحريق» الجزائري الجديد.

فأجاب: «إنني لا يمكن أن أقف موقف اللامبالاة أو الحياد، حيال ما يحدث في بلادي. ولأنني لست رجل سياسة، فإني لا أريد أن أعبِّر عن موقفي من الأحداث عن طريق التصريحات الصحفية الملتهبة أو بإصدار مناشير دعائية، بل أريد التفاعل معها بعمل أدبي إبداعي. ومع ذلك، يمكن تلخيص موقفي المبدئي بالقول أن الوضع الحالي في الجزائر يملي علينا نحن الكُتّاب واجب الإدلاء بالحقيقة، قبل أي شيء آخر. هنالك اليوم طرفا نقيض، ليس في الجزائر لوحدها، بل في أغلب الدول الإسلامية: طرف في السلطة، وهو في الغالب فاسد وفاقد للمصداقية، وطرف آخر نقيض يدَّعي لنفسه «النّقاء»، ويعد الناس بتطهير نظام الحكم. وغالبا ما يلبس هذا الفريق الثاني لبوس التديّن. ومهما تضاربت آراؤنا ومواقفنا بخصوص هذه المسائل، فإن دورنا نحن الكُتّاب والمثقّفون يجب أن يكون محاولة فهم مسار التاريخ وتحليله والتفاعل معه، وليس محاولة تصوير هذا التاريخ بالشكل الذي نريده أو نتوهّمه أو نتمنّاه».

وأضاف: «إن مسؤوليتنا كمثقفين كبيرة ومصيرية، وتكمن بالأساس في السعي للحفاظ قبل كل شيء على المصالح العليا للوطن، بغضّ الطرف عن ميولنا الشخصية لصالح هذا الطرف أو ذاك من الفرقاء السياسيين الحاليين. غدا، حين تمر الأعوام، لن يذكر التاريخ لا رجال السياسة ولا الأحزاب والتيارات المتنازعة حاليا، بمن فيهم الإسلاميون. لن يبقى في ذاكرة التاريخ سوى ما يبدعه المثقفون من فكر يبقى تركة للأجيال المقبلة، لذا، علينا أن نسأل أنفسنا باستمرار: ماذا سنترك في النهاية لتاريخ بلداننا وتراثها الفكري والثقافي، بدل أن نستغرق في معارك سياسية آنية وهامشية لا جدوى منها...»

الرواية ـ الوصية:

بعد أربع سنوات من ذلك الحوار، الذي دار بيننا في صيف 1994، أصدر محمد ديب النص الروائي الذي قال أنه كان يشتغل عليه حول «الحريق» الجزائري الجديد، تحت عنوان: «مشيئة الشيطان»(منشورات «ألبان ميشال» ـ باريس ـ 1998). وفيه يقودنا إلى عالم سحري تتفاعل فيه الأسطورة بالواقع، ويتقاطع الشعر بالنثر، والأنا بالآخر، ويتلبّس التأمل الفلسفي بالحزن الصوفي الرقيق، ويتداخل الراهن الجزائري الدامي بالخرافة التاريخية، في مسعى يختزل المسافة الفاصلة بين اليومي والرمزي. فإذا بالأول يصبح ظلا للثاني أو صورته منعكسةً على مرآة الزمان الرتيبة، التي لا يجد أبطال الرواية ما يشغلون به وقتهم سوى التأمل فيها، لاسترجاع ذكرى الأيام الخوالي، والأحبة الذين رحلوا، والعمر لم يعد سوى بقية رمق على مشارف النهاية الحتمية، التي يرتشفون قهوتهم المسائية، في هدوء حياتهم القروية، ويترقبونها كما يترقب المرء ضيفا عزيزا طال بعاده، لكنه متيقن تماما أنه آت لا محالة...

رغم انقطاع محمد ديب عن الكتابة عن واقع بلاده لأكثر من عشريتين، منصرفا إلى إنجاز «ثلاثية الشمال» وما أتبعها من أعمال روائية تدور أحداثها جميعا في وسط أوروبي، إلا أنه استطاع أن يثبت في تلك الرواية الجديدة أن سنوات المنفى الطويلة لم تحد من قدرته الفائقة على الإمساك بتفاصيل الأشياء وخصوصيات المكان، حيث يعيدنا في الصفحات الأولى من نصه إلى أجواء ثلاثيته الأولى، وما اشتهرت به من قدرة فائقة على التعبير عن واقع الحياة القروية بتفاصيلها وروائحها وناسها وعاداتها وطقوسها الرمزية الصغيرة.

ورغم أن أحداث العنف الدموي والمجازر البشعة التي شهدتها الجزائر في التسعينات ألقت بظلالها الكثيفة على تلك الرواية ـ الوصية، إلا أن محمد ديب حرص على أن يختتمها بنبرة متفائلة، في نص شعري قصير يلخّص بامتياز «المأساة الوطنية» الجزائرية، حيث أنهى روايته قائلا:

 

إنها حرب حالكة،

الليل فيها يَعدُّ طلقات الرصاص

والنهار يَعدُّ الموتى...

بانتظار غد أفضل.

إلى أن يسقط قناع الحرب يوما،

فتسيل دمعة من هذه العين وأخرى

من العين المترصّدة بها.

ولعل الأنامل ذاتها التي ستمسح الدمعة الأولى،

أيضا ستمسح الدمعة الأخرى! ■

 

عثمان تزغارت

 



تعليقات (0 منشور)


المجموع: | عرض:

إكتب تعليق



الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha