الفاعلون يكتبون.. زمن كشف المستور

  16 جوان 2014 - 11:43   قرئ 2472 مرة   توابل

الفاعلون يكتبون.. زمن كشف المستور

 

ساهمت المذكرات التي كتبها عدد من الفاعلين التاريخيين، والتي ظهرت عقب أحداث أكتوبر 1988 في إثراء الكتابة التاريخية المختلفة الرافضة للامتثال، والمتمردة عن الكتابة التسجيلية التي ما تزال تسير وفق النظرة الضيقة للأحداث، بفعل غياب تصور فلسفي للتاريخ ينأى عن التمجيد.

وقد كان لهؤلاء الفاعلين، الذين كتبوا مذكراتهم شجاعة جعلتهم يتناولون قضايا تندرج ضمن ما يسمى بالمسكوت عنه الذي ساهمت السلطة بمساعدة المؤرخ الرسمي في نشره، والترويج له. وأذكر هنا أن أستاذا جامعيا صدر له كتاب هو في الأصل رسالة ماجستير حول مؤتمر الصومام، فلم يذكر ولو مرة واحدة اسم العربي بن مهيدي أو أي قائد آخر من القادة التاريخيين الذين شاركوا في المؤتمر، فساير بذلك الطرح الذي روجت له السلطة منذ الرئيس الراحل هواري بومدين والقائل أن"البطل الوحيد هو الشعب"، والغرض هنا ليس تمجيد بطولات الشعب الثورية بقدر ما هو محاولة لطمس ذكرى الرجال الثوريين الذين حاربوا في الجبال طيلة سبع سنوات.

طبعا سوف تساهم كتابة المذكرات في القضاء على هذا التصور. فالكتابة (كتابة المذكرات) كفعل ذاتي وفردي متعلق بالبطولة الفردية، أعطى الانطباع  بأن المجاهد(الفرد) ساهم في بلورة الفعل الثوري على خلاف ما روجت له السلطة منذ 1962، والذي نعثر عن جذوره في مرحلة الحركة الوطنية الراديكالية التي لم تسمح ببروز المناضل المستقل، إذ كان الحزب وشخص الزعيم يبسطان نفوذهما بشكل لم يترك أي مجال لحرية التفكير، مما أدى إلى حدوث صدامات عنيفة بين مصالي وأعضاء اللجنة المركزية.وبفضل كتابة المذكرات، خرج التاريخ من سجن الجماعة، إلى عوالم الفرد. ولما تحدث مثل هذه النقلة، حتما تكتسي كتابة التاريخ تصورا جديدا يقوم على المعايشة، فيجد القارئ في شبه مذكرات علي هارون مثلا حول أزمة صيف 1962، أن القادة التاريخيين عقب الاستقلال لم يعرفوا ذلك التجانس المزعوم، بل كانوا عرضة لانقسامات وتطاحنات رهيبة، أوصلت البعض منهم إلى شجارات عنيفة، وهو ما يقضي على الاعتقاد السائد أن النسيج السياسي الجزائري غير خاضع للتجانس الذي كانت تزعمه السلطة، بل هو نسيج متعدد الأصوات والاتجاهات. نفس هذا الواقع الخاضع للخلافات، نعثر عليه في مذكرات علي كافي، لخضر بورقعة ومحمد حربي، وحتى اللواء حسين بن معلم (التي نشرت هذا الأسبوع في جزئها الأول). وهؤلاء كتبوا بجرأة، ليتحول تاريخ الثورة إلى كتاب مفتوح على الحقيقة، وليس على التحوير. علما أن التاريخ يخضع في مساره لغرائز البشر، لضعفهم وقوتهم، وليس أدل من ذلك النظرية الخلدونية التي تعطي أهمية كبيرة للجانب النفسي في تفسير الحوادث. وهنا تكمن أهمية المذكرات، فهي تضعنا أمام الحدث التاريخي بكل تفاصيله الدقيقة. ومثلما يخبرنا ابن خلدون دائما، فإن الغيرة هي التي تقف وراء انقلاب موسى ابن نصير على طارق ابن زياد بعد فتح الأندلس، ونجد أن نفس هذه الغيرة هي التي حركت قضية "لابلويت" مثلا وأشعلت فتيلها. إذ أدت غيرة قائد من الولاية الثالثة دفعه هيامه بمجاهدة  تدعى "روزا" اختارت رجلا غيره أكثر ثقافة ومدنية وارتبطت به، إلى ارتكاب حماقة اتهام كل المثقفين بالعمالة للجوسسة الاستعمارية.  ومثل هذه الأحداث لا يمكن أن تروى إلا في إطار المذكرات، فالرجل الذي ارتبطت به "روزا" ما يزال على قيد الحياة، فلو يكتب مذكراته، ويروي تفاصيل ما حدث في أكفادوا، حيث جرت دماء المجاهدين بسكاكين إخوانهم، حتما سوف يميط اللثام على طابو "لابلويت". فالذات لما تكتب بصدق، تفتح الكتابة التاريخية على الحقيقة.

إن كتابة المذكرات هو الفعل الوحيد القادر على الولوج لعالم المسكوت عنه، ويقض مضجع المستيفدين من التزييف.



المزيد من توابل