لطالما رافقت بروائعها الشعوب في النزاعات والحروب

فيروز تصلي من أجل إنقاذ الكون من وباء «كورونا»

  05 أفريل 2020 - 11:30   قرئ 228 مرة   ثقافة

فيروز تصلي من أجل إنقاذ الكون من وباء «كورونا»

عودت عشاق صوتها والأوفياء لقصائدها وألحانها عبر أزمنة طويلة، أن تضمد جروح الشعوب في  الحروب والنزاعات، في الشرق الأوسط والعالم بأكمله بكلمات يرفض الزمن  محوها، وتعلقت بها أجيال لأنها حيث غنت حلق حمام السلام وعوض الأبيض الأسود، ليعيد وباء «كورونا» السيدة فيروز إلي الواجهة وهي تصلي للقضاء عليه، في صورة تعكس ضعف الإنسان واللجوء إلى خالقه في كل مرة تعصف به المحن والمصائب. هي الفنانة اللبنانية وصاحبة رائعة «زهرة المدائن»، الفنانة فيروز، التي لم تنل منها السنن وفي الثمانين من العمر تظهر في أكبر ضائقة خنقت الكون لتؤكد أنه طلما هناك رب في السماء يشفع لعبده، لا مجال لليأس والقنوط.

 

خرجت المطربة اللبنانية فيروز لجمهورها عبر مواقع التواصل الاجتماعي بفيديو جديد، في ظهور نادر لها، وهي تصلي من أجل القضاء على فيروس «كورونا»، الذي تأكد بمرور الأيام أنه لم يرحم الأجناس، الأعمار، الانتماءات والعقائد. أطلت بتلك النفس المؤمنة العاشقة المتمسكة بمبادئ السلم التي رافقت بها الحروب وبتلك النبرة التي سمعها جمهورها عبر عقود من الزمن وهي تحارب باللحن العذب الحرب والمدافع.

ظهرت فيروز جالسه على أريكتها في منزلها وهي تقرأ من «سفر المزامير» من االإنجيل على نيّة خلاص لبنان والعالم بتخطي هذه المرحلة الصعبة، من انتشار فيروس كورونا، الذي أصاب أكثر من مليون شخص حول العالم وحصد أرواح الآلاف، وعلّقت «أرزة لبنان» -كما لقبت في زمنها- على الفيديو الخاص بها قائلة «تَوَكَّلُوا عَلَيْهِ فِي كُلِّ حِينٍ».

وظهرت سفيرة الفن الأصيل والزمن الجميل، الفنانة البنانية فيروز في مقطع مصوّر مدّته دقيقتين وهي تصلّي من أجل العالم في زمن كورونا، فقالت 

«يا رب لماذا تقف بعيداً؟ لماذا تختفي في أزمنة الضيق؟ لكلماتي إصغي يا رب، تأمّل صراخي، إستمع لصوت دعائي، يا ملكي وإلهي لأني إليك أصلّي».

وأضافت فيروز «أوجّه صلاتي نحوك وانتظر، أنت تخلّص الشعب البائس، أنت تضيء سراجي، الرب إلهي ينير ظلمتي. لولا أن الرب معيني، لسكنت نفسي سريعاً أرض السكوت».

لم تترك فيروز محنة إلا وكان صوتها صلاة للناس وأوجاعهم في الحروب والمعاناة، وقد اختارت هذه المرة أيضا رفع الدعوات في مواجهة الوباء الذي طال العالم أجمع، ومن للكون أفضل من تلك التي رافق فنها الحرب الأهلية ببلدها وصمود أبناء الحجارة بفلسطين لاسترجاع السيادة والاستقرار على عنوان واحد ليدعو برفع البلاء عن الكون ويستعيد نشاطه كل إنسان على الأرض،

ظلت وفية لبيروت رغم صراع الإخوة

تمزقت أوصال لبنان من منتصف السبعينيات وحتى آخر الثمانينيات من خلال مجموعة من المعارك الدموية بين الإخوة، في واحدة من أعنف الحروب الأهلية التي شهدتها المنطقة العربية إلى جانب التدخل الإسرائيلي العسكري في البلاد. 

ولم تستسلم فيروز للأجواء الطائفية التي صبغت لبنان في هذه الفترة وقررت أن تحيا في لبنان ورفضت أن تترك بلدها وظلت تتنقل بكل شجاعة بين منزلين، أحدهما في بيروت الغربية والآخر في بيروت الشرقية لتبقى موجودة بالمنطقة ذات الأغلبية المسلمة ونظيرتها ذات الأغلبية المسيحية في الوقت نفسه.

ورغم أن هذه الفترة كانت دموية وعنيفة للغاية، فإن فيروز كانت وما زالت خطا أحمر ولم يجرؤ أي من أطراف النزاع على التعرض لها، بينما شهدت هذه الفترة أيضا توقف فيروز عن الغناء بشكل مؤقت رغبة منها لدفع الأطراف المتصارعة إلى التوافق أو المصالحة.

عتبر اللبنانيون فيروز رمزا وطنيا في مخيلتهم و»سفيرة لبنان إلى النجوم»، و»جارة القمر»، ورمزا للبنان الكرامة والموحدة دون تفرقة دينية أو طائفية، حيث يحبها الجميع ويتجمعون حبا في صوتها ودائما ما يهتفون وراءها «بحبك يا لبنان» خلال حفلاتها في بيروت وكل أنحاء العالم.

موهبة استثنائية تستحق الوقوف أمامها طويلا، فنجحت عبر مشوار طويل امتد نحو 65 عاما في خطف القلوب وأسر الأسماع بصوت خلاب عبر الأعماق وسكن الوجدان؛ ليضع فيروز على قمة الطرب العربي عن جدارة واستحقاق.

نجحت «جارة القمر» في خطف الأضواء بقدرتها وذكائها الشديد على تحقيق التضاد، فهي صوت المسافر والعائد، المهزوم والمنتصر، الغربة والوطن، وأيضا نجحت في الجمع بين فخامة الكلمة ورقي الأداء؛ لتصبح رمزا للطرب يلتف حوله كل محبي الفن.

فيروز… موهبة صنعت الاستثناء

ولدت نهاد رزق وديع حداد 21 نوفمبر1935 في زقاق البلاط أحد أحياء بيروت القديمة لأسرة بسيطة، بدأت قصتها مع الغناء في سن صغير، فراحت تطارد أصوات أم كلثوم، محمد عبدالوهاب وليلى مراد في الشوارع والحارات لعجز أسرتها عن شراء جهاز راديو.في المدرسة برزت موهبة فيروز الغنائية، وتحمس لها الموسيقي اللبناني محمد فليفل ليساعدها على الانضمام إلى فرقة «كورس» الإذاعة اللبنانية، وبمرور الأيام بدأ الحلم ينمو بداخلها، ورغم رفض الأب احترافها الغناء فإنها أصرت على المضي قدما في طريق الحلم ودرست في المعهد الوطني للموسيقى، لتصبح ذات شأن عظيم.

حمل عام 1952 لـ»زهرة الغناء» الكثير من الخير، فتعرفت على الموسيقار اللبناني عاصي الرحباني، لتبدأ رحلتها الحقيقية في عالم الطرب، وتعاون الثنائي لتقديم أغنيات مميزة حققت الكثير من النجاح واستقبلها الجمهور العربي بترحاب شديد.

ارتباط فيروز بابن عائلة الرحباني لم يقتصر على العمل، إذ تطورت علاقة الصداقة إلى حب كبير توجاه بالزواج عام 1955، ورزقا بـ4 أبناء هم: زياد، هالي، ريما وليال.نجحت «جارة القمر» في الوصول للعالمية خلال فترة التسعينيات بأعمال عصرية وألحان رشيقة، لتتوهج وتتسع مساحة انتشارها وتسكن البيوت ويصدح صوتها عاليا بالأزقة والحواري في مختلف الدول، ومن أهم الألبومات التي طرحتها في تلك الفترة، «كيفك إنت»، «إيه في أمل»، «ببالي» و»فيروز في بيت الدين».يضم الأرشيف الفني للمطربة الكبيرة 36 ألبوما غنائيا و26 اسكتشا، 9 قصائد، 15 مسرحية و3 أفلام سينمائية، هي «بياع الخواتم» 1965، «سفر برلك» 1967، و»بنت الحارس» 1968.

غنت للشعوب والأوطان وليس للساسة

قدّمت مسيرة فنيّة غنية أدت فيها نحو 800 أغنية، وعشرات الأعمال الفنيّة في قوالب موسيقية متعددة تنوعت مواضيعها ما بين الحب والوطن، فيما كان للقضية الفلسطينية نصيبا كبيرا من أعمالها.

واشتهرت «جارة القمر» بحبها لبلدها، فلم تترك مناسبة إلا وطالبت بوحدة الشعب اللبناني وغنت لوطنها «بحبك يا لبنان»، «يا هوى بيروت»، و»لبنان يا أخضر لونك حلو».

خلال مسيرتها الفنية، رفضت فيروز الغناء للرؤساء وانحازت للأوطان والشعوب، فقدمت للقدس «زهرة المدائن» و»القدس العتيقة»، ولـ»أم الدنيا» غنت فيروز «مصر عادت شمسك الذهبي» و»شط إسكندرية» وأهدت سوريا أغنية «إلى دمشق».

وكانت الفنانة اللبنانية فيروز، قد طرحت آخر ألبوماتها في عام 2017، بعد غياب دام لـ 7 سنوات، وحمل عنوان «ببالي»، حيث جاء ذلك بعد طرحها لأغنية «لمين» التي يتزامن إصدارها مع ذكرى وفاة زوجها عاصي الرحباني.

ز.أيت سعيد

 



المزيد من ثقافة