إعلاء صوت الأدب والإبداع على حساب المواقف السياسية

واسيني الأعرج يُنصف نجيب محفوظ ويؤكد انتصاره للرواية

  06 سبتمبر 2020 - 09:21   قرئ 237 مرة   ثقافة

واسيني الأعرج يُنصف نجيب محفوظ ويؤكد انتصاره للرواية

أعاد الروائي الجزائري، واسيني الأعرج، الجدل حول نصرة بعض الكتاب العرب للقضية الفلسطينية، خصوصا بعد التطبيع الإماراتي، مؤخرا، وطرح إشكالية تغليب الإبداع على الموقف السياسي لدى كل مبدع، وتحدث كثيرا عن الروائي المصري نجيب محفوظ الذي رحب باتفاقيات «كامب ديفيد» دون الولوج في الصدامات مع ايديولوجيات وميولات تكبح عمله الأدبي، ودعا الأعرج إلى إعلاء صوت الأدب بعيدا عن المزايدات.

طرح الكاتب الجزائري، واسيني الأعرج، مسألة مواقف الكتاب العرب بخصوص القضية الفلسطينية، وإن كان من الواجب الالتزام بنصرة شعب يكافح من أجل استرجاع السيادة بنفس الجرأة التي صنعت منهم أقلاما ارتبط القارئ بانتاجاتها، وقدم ابن تلمسان في مساهمة نشرتها يومية «القدس العربي» مؤخرا مثالا عن ذلك، بالتذكير بموقف الروائي المصري والمتحصل على جائزة نوبل للأدب سنة 1988، نجيب محفوظ، على اعتبار أن هذا الأخير -ورغم أن قلمه نال ثناء الشرق والغرب على السواء- كان من أشد المؤيدين لاتفاق التطبيع الذي وقعه الطرف المصري مع الكيان الصهيوني في 1979 لكن هذا لم يمنع من أي يصنع لنفسه إسما كبيرا في الرواية وبات قامة خالدة رغم رحيل الجسد.

يعتبر واسيني الأعرج أن صاحب رائعة «ثرثرة فوق النيل» تجنب التحليل السياسي والجدل في قضايا تجعله يستقطب الأحكام دون إدراك أصحابها أنهم على حق، بل «انتصر دوما للروائي، المبدع والتخييل» وهي الصفة المتعالية لأي مبدع، ليشرح واسيني موقفه معترفا أن غير نجيب محفوظ بذل جهدا أكثر لنصرة قضية «أبناء الحجارة» مع التسليم أنه لا يمكن إجبار روائي على الكتابة حول موضع معين، من منطلق أن الإبداع ليس تذكرة تحجز مسبقا، ويقول في ذلك «لقد أيد اتفاقيات كامب ديفيد، بوضوح ومن دون خوف، ككاتب، ولكن أكثر من الكاتب، بسبب السلطة التي يمثلها عربياً. اتُّهِم بأنه لم يكتب عن قضية إنسانية كبيرة مثل القضية الفلسطينية. لا يمكن أن نكتب عن محنة الهنود الحمر، ولا نكتب عن قضية هي جزء من الوجدان الإنساني والعربي..

هناك بياض بالنسبة لنجيب محفوظ لا يمكن القفز فوقه، بل ضرورة فهمه. طبعاً، من الصعب مطالبة كاتب أن يكتب عن موضوعات محددة دون غيرها. يظل الروائي، وفق المنطق الإبداعي، حراً في خياراته، لكن المأخذ هو في وجهة النظر. الروائيان الإسرائيليان ديفيد غرسمان وألموس عوز مثلاً، لم يصمتا في اللحظات التاريخية المفصلية، فقد دافعا باستماتة عن حل الدولتين، وكانا من المناصرين لإسحاق رابين قبل اغتياله وياسر عرفات. لكن هناك من ذهب من الكتاب الإسرائيليين إلى أبعد من ذلك.في شهر ديسمــــــبر الماضي، غادر الكـــاتب إيتـــان برونشتاين إسرائيل، التي جاءها مهاجراً من الأرجنتين، برفقة والده، وعمره خمس سنوات، بشكل نهائي احتجاجاً على الاعتداءات الإسرائيلية اليومية ضد الشعب الفلسطيني.».

أنصف صاحب رواية «شرفات بحر الشمال» روائي نهر النيل بالتسليم أن الزخير لم يرحب باتفاق «كامب ديفيد» كناية عن الشعب المناضل بالأراضي المحتلة، بل بالحفاظ على الأرواح٫ لأن القضية كان فيها الخاسر الكبير الشعب الفلسطيني والمواطن العربي فقط لكون الضحية الوحيدة لسياسة الاستيطان والدمار، ولم يمت سوى العربي في فلسطين، وبدل التفكير في «حرق أعمال نجيب محفوظ» -كما يرى البعض- يجب الاعتراف أن الرجل شرف الإبداع العربي برواياته، وتجنب الصراعات السياسية، وهو ما صنع عظمته، ليختم مساهمته بالقول «أيد الاتفاق الإسرائيلي المصري من أجل فلسطين للخروج من وضعية اللاحرب واللاسلم المؤذية للشعب الفلسطيني لأنه هو من كان يموت. فقد قتل العرب من الفلسطينيين أكثر مما قتل الإسرائيليون (الكلام لنجيب محفوظ في حصة أمسية ثقافية)؟ وأنه لن يكتب عن فلسطين إلا الفلسطيني. ثم إن الرواية غير الشعر؛ الرواية عالم معقد يحتاج إلى معاشرة حقيقية للأحداث.. هل يجب حرق نجيب محفوظ لأنه لم يكتب عن فلسطين روايات ذات قيمة حقيقية؟  انتصر نجيب محفوظ للرواية أولاً وأخيراً، كفعل حر ودائم يتخطى السياسي الطارئ. ومن يقرأه، بدون مسبقات سياسية جاهزة، لا يشك لحظة واحدة في جرأته وقوة نفاذ بصيرته. لهذا، من الصعب تقييم نجيب محفوظ من زاوية واحدة هي السياسي..ما بقي اليوم من نجيب محفوظ هو الروائي ولا شيء آخر غير الروائي.» 

ز. أيت سعيد

 



المزيد من ثقافة