غنى للزعماء في المجالس الراقية بمالوف مجدد

الجزائــر تودّع صاحب رائعة «عينين لحبارة» حمدي بناني

  22 سبتمبر 2020 - 12:01   قرئ 602 مرة   ثقافة

الجزائــر تودّع صاحب رائعة «عينين لحبارة» حمدي بناني

استيقظت «بونة»، صبيحة أمس، على خبر رحيل «الملك الأبيض»-اللقب الذي حمله منذ 1984 بعد أداء ممّيز بكوريا الجنوبية-حمدي بناني، بعد وعكة صحية أدخلته العناية المركزة بمستشفى عنابة منذ أيام، وكان صاحب رائعة «عينين لحبارة» أحد قامات المالوف الذي لم ينطو على نوع واحد وإنما اشتهر بتفتحه على جميع الثقافات إدراكا منه أن الموسيقى لغة الإنسانية وأن الفنان ليس ابن بلده فحسب بل ينتمي للإنسانية جمعاء. رحل بناني تاركا الكمان حزينا، ذلك الرفيق الذي صنع منه واحدا من أعمدة الفن الجزائري وكان بإمكانه تقديم المزيد إلا أن الأقدار شاءت غير ذلك.

ارتبطت عنابة باسمه رغم أن العائلة تنحدر من منطقة الأربعاء ناث ايراثن بولاية تيزي وزو ولم ينكر يوما أنه من أصول قبائلية لكن إنسانيته جعلته يمارس الفن باحترافية وعالمية لا يختلف اثنان عليهما، ولا يمكن ذكر المالوف في الجزائر إلا بعدّ روائعه وتلك التي أدّاها سابقه إلى الخلود ومن تقاسم معه التفاني في الغناء. لم يمر مرور الكرام في الساحة الفنية بل أن مارس الفن الراقي الذي لا يزول بزوال أصحابه.  

تفنن أمام كبار الشخصيات في العالم وبأناقته المعهودة كان أفضل سفير للمالوف خاصة وللأغنية الجزائرية عامة.

على مدى 63 عاما قضاها الفنان في خدمة» المالوف» ساهم في إيصال هذا النوع من الموسيقى إلى العالم، ووقف إلى جانب كبار الفنانين في العالم العربي وحتى الغربي، وغني لكبار الرؤساء والزعماء على غرار الحبيب بورقية، مالك الأردن الراحل الملك حسين، فيدال كاسترو وغيرهم.

أطلق عليه زعيم كوريا الشمالية السابق كيم أيل سونغ لقب «الملك الأبيض» سنة 1984 عندما غني له في حفل عيد ميلاده وهنأه بالكورية. فأعجب به الزعيم الكوري، أهداه ساعته ولقبه «بالملك الأبيض» ومنذ ذلك الحين باتت البذلة البيضاء والكمان الأبيض لصيقة بحمدي بناني.

مثل حمدي بناني الجزائر في عديد المهرجانات الدولية في اسبانيا، الاتحاد السوفياتي، كوريا الشمالية، فرنسا وكندا، كما وقف إلى جانب كبار الفنانين العرب والغربيين أمثال وديع الصافي، لطفي بوشناق، ازابيل بولي، داني بغيون

وان برونزو، كلود النقاش وغيرهم.

منح لجمهوره المحلي وفي الخارج أزيد من أربعين ألبوما وعدد من الروائع التي تغنت بمسقط رأسه، المهد الذي يبكيه اليوم وهو الذي رحل دون سابق إنذار، ولا تزال في الذاكرة «عدالة يا عدالة»، «محبوبتي»، «يا ليلي يا ليلي»، «جاني ما جاني» وغيرها.

في 2004، حظي بتكريم رسمي من طرف السلطات، وكانت الالتفاتة خير هدية لمن خدم التراث الجزائري واستثمر في المالوف مع عصرنته والاحتكاك بالثقافات الأخرى، إدراكا منه أن الفن إن لم يوحد لا يفرّق وإن لم يلم الشمل لا يشتت.  

ولد الراحل في الفاتح جانفي 1943 في بيت يتنفس الفن، حيث كان والده رساما موهوبا، وخاله الفنان محمد الكورد عازفا مشهورا وهو الذي اكتشف صوته ووجهه لاحقا لصقل موهبته. ذاع صيته، بعد استقلال الجزائر، وكانت باكورة أعماله أغنيته «يا باهي الجمال» التي نال عليها جائزة الغناء الأولى، في إحدى المسابقات الفنية.

سار «ملاك الاندلسي» -كما أسماه جمال بن صاري-على درب سابقيه من تلك الولاية التي شرفها وستظل تحتفظ بإسمه رغم غياب الجسد، ومنهم حسن العنابي، عبد العزيز ميمون، ومصطفى تريكي. فمن حي سان اوغسطين حيث خطى الخوات الأولى في الحياة إلى أكبر القاعات التي وقف فيها امام جمهور لم يبهره بألحانه وكلماته فحسب بل بأناقته وذلك الهندام الأبيض النابض من بياض المتوسط وكرم الرجل الذي صنع هدوءه الفارق في كل مرة باعتبارة قامة اجمع القريب والبعيد على علو كعبه.

«بالله يا حمامي»، «ألف يا سلطاني»، «أيا يا زيار»، وجميع الروائع التي شيد بها مشوارا لا يتكرر انضم به إلى زمن الفن الجميل دون التوقف عن العطاء وخدمة الأجيال الصاعدة بتجربته، وكلما يقف على المنصة يشهد له الجميع بعلو كعبه ويذكر دائما بأسياد الفن الذين -وإن غادروا الحياة-سكنوا القلوب. 

ز. أيت سعيد

 

 



المزيد من ثقافة