صاحب ثلاثية «الدار الكبيرة-الحريق والنول» يعود إلى الواجهة

معارض وندوات لاستذكار روح محمد ديب بقصر الثقافة

  28 سبتمبر 2020 - 10:10   قرئ 1490 مرة   ثقافة

معارض وندوات لاستذكار روح محمد ديب بقصر الثقافة

اختارت وزارة الثقافة أن يدشن الدخول الثقافي -في أول مسعى من المشرفين على الشأن الثقافي في الجزائر- بابن تلمسان، محمد ديب، ليكتشفه الجيل الحالي بأعماله، بمكانته عالميا، بحبره الذي جلب اهتمام النقاد والباحثين. ليحتضن قصر الثقافة « مفدي زكرياء » منذ البارحة معرضا ونشاطات مختلفة ستدوم شهرا كاملا تخليدا لروح صاحب الثلاثية «الدار الكبيرة-الحريق والنول» لعل الزمن يتدارك الإجحاف في حقه ولعل الكثيرون سيتذكرون أن الرجل قامة من قامات الأدب الجزائري وإن لم يحتك كثيرا بقراء بلده وكان محترف كتابة الغربة والمنافي بامتياز.

يحوم طيف محمد ديب شهرا كاملا بين أسوار قصر الثقافة بالقبة، تزامنا مع الدخول الثقافي الذي أقرته وزيرة الثقافة مليكة بن دودة، وقد تم إقرار الحدث بالتنسيق مع المكتبة الوطنية التي تستضيف -بدورها، ندوة فكرية في الأيام المقبلة حول إبداعات الرجل بحضور مختصين ومحللين لرواياته ونصوصه المسرحية، وقد يكون العائق الوضع الصحي الاستثنائي الذي يسود البلاد على دول أخرى في العالم، إلا أن استئناف الطلبة الجامعيين سيكون دافعا لولوج فضاءات الرواق الفني واكتشاف ما تركه للأجيال الصاعدة.

عندما تم تداول أخبار وفاة محمد ديب في مدينة «سان كلو» بضواحي باريس قبل سبعة عشر عاماً، وتحديدا في مثل هذا اليوم من عام 2003، كانت دهشة كثير من الجزائريين كبيرة، إذ كانوا يعتقدون أنّ الروائي الجزائري رحل منذ زمنٍ بعيد، مثل مولود فرعون، أحمد رضا حوحو وغيرهما، بل إن بعضهم كان يعتقد أنه من شهداء الثورة الجزائرية (1954-1962).

ولعل ابتعاد ديب، الذي ولد بعاصمة الزيانيين عام 1920، عن المشهد الثقافي والإعلام يفي الوطن الذي غادره إلى فرنسا عام 1959، وإن ظل يعود إليها في فتراتٍ متقطعة، كما بقي مُلتصقا بها في أعماله الأدبية والصحافية، وقد اعتُبرت روايته الأشهر «الحريق»، التي نُشرت قبل ثلاثة أشهر من اندلاع الثورة التحريرية، بمثابة نبوءة بها؛ وهو الذي رصد في كتاباته بجريدة «الجزائر الجمهورية»، خلال إقامته بالعاصمة بين 1950 و1952، الظروف المعيشية للجزائريّين تحت الاحتلال الفرنسي والحركات الاجتماعية في البلاد.

تحدث الكاتب أمين الزاوي عن مئوية ديب فقال « عبر محمد ديب الحياة كاتبا كبيرا، وكلمة كبير لها معنى حين ترتبط باسم محمد ديب، عبرها روائيا و شاعرا وقصاصا ومسرحيا وكاتب أدب أطفال ومناضلا سياسيا وثقافيا إنسانيا. عشرات الروايات ومثلها المجاميع الشعرية والقصصية هي حصيلة مسيرته الأدبية، ستة عقود من الكتابة، وفي كل ذلك ظل وفيا لخطه الإنساني، لم يبدل ولم يتبدل. 

بمرور قرن على ولادة الكاتب والروائي الحكيم محمد ديب نتساءل: ماذا قدمت الجزائر لقلم بهذا التميز العالمي، وهو الذي كان اسمه على قائمة جائزة نوبل لمرات متتالية؟ ماذا قدمت له سوى الصمت والنكران؟ لم تطلق اسمه على مكتبة أو جامعة أو مؤسسة ثقافية أو تربوية معتبرة، لم تمنحه الجزائر الواسعة حتى بعض أمتار من ترابها كي يضم جسده النحيف وهو الذي عاش عاشقا للجزائر ولتلمسان ومات على عشقه هذا دون أن يبدل أو يتبدل.»

يقرأ المرء نصوصه فيقف على تأكيده على الحميمية والروح العجائبية لشخصياته المحليّة التي كانت حينذاك تعيش مهمشة خارج المشهد، بين قوسي البحر والصحراء «ليس هناك من شيء سوى الصحراء. ما من شيء. أنا أعرف ما هي الصحراء. أنا من الصحراء أيضاً. نحن أمام صحراء أكبر فقط. لا شيء يحدث، لا شيء يُرى، ما عدا هذا السياج الذي يفصلنا عنها» يقول في إحدى روائعه. سيلتفت لاحقا إلى توثيق الحكايات الشعبية الجزائرية في مجلدٍ ضخم، كأنه أدرك ضرورة استعادة هويته الأولى على نحوٍ آخر. في مئويته التي تصادف في هذا العام المضطرب، سيكمل محمد ديب عزلته، غيابه وشجنه رغم هذه المواعيد الثقافية التي تسعى لنفض الغبار عن إرثه الحافل بالكنوز ومن مختلف الأصناف الأدبية. على الأرجح ستعبر ذكراه بصمت، وكأنه لم يُوثق فسيفساء الجزائر يوما، في أوتوبيا مضادة، لعله قدر الآباء الروحيين، ألم يمت وحيدا في المنفى؟

ز.أيت سعيد

 



المزيد من ثقافة