«إبنة السفير» لنبيهة عبد الرزاق ..

رواية بطعم الأفلام الرومانسية

  17 ديسمبر 2017 - 10:31   قرئ 786 مرة   ثقافة

رواية بطعم الأفلام الرومانسية

بدأت قراءة الرواية على مهل وكنت أترقب خائفة مما يحمله العنوان من تفاصيل وأتساءل ياترى ما القصة التي ستروي لنا تفاصيلها الكاتبة؟ لأجد نفسي أتلهف لهفة عارمة فصلتني عن كل العالم الخارجي حتى بتّ أتصور مشاهد الفقرات والجمل مشهدا مشهدا كأنني أشاهد فلما رومنسيا يجمع بين القساوة والليونة في ذات الوقت.

إنها إبنة السفير وطبيبها الذي أعاده زيارتها له إلى الذات، إلى الطبيعة والتكوين الذي فقدهما جراء أحداث لم يكن يوما طرفا فاعلا فيها، بل مفعول فيه وبه.
تلك الفتاة الرقيقة الهاربة من شبح الموت تصنع حياة الدكتور ثائر. تعيده زمنا إلى البدء حيث ترك ذاته المتشتتة كشتات عائلته الفلسطينية التي صنع شتاتها أولائك الذين إستخسروا على أبناء هذا الوطن أن ينعموا بوطنهم كباقي البشر. لتكون عمّان جامعة هذين الحالتين من الغربة والشتات والهروب من موت كانوا ولا يزالون مجبرين عليه.. ليتحدّوا كل شيء مع بعض . تلك الفتاة دنيا ذات العينين العسليتين والشعر الغجري، تقابل ذاك الشابّ ثائر؛ الدكتور الشرقي الملامح بلوّن الرمل إلّا من عينين زرقاوين زرقة البحر، تنبئان عن أم غربية. هذه بداية رحلة بحث عن الذات وإعادة تكوينها وبعث روح الحياة من جديد في قلبين مرهفين تعِبا جدا من سوداوية الغربة والحياة الزائفة البعيدة عن بساطة الخلق والتكوين. لم أكن أتوقع أنني سأعيش كل هذا الزخم من المشاعر المتضاربة التي شدّتني لدرجة أنني تمنيت أن أكون أنا دنيا إبنة السفير تلك الفتاة الرقيقة المرهفة إبنة الطبقة المخملية التي كرهت شخصيتها وحياتها المترفة حينما وجدت ثائر وتحولت من فتاة شبه ميتة لأخرى تصنع أملا للحياة وتمثل قوة التحدي والتصدي والوقوف في وجه الموت من أجل الدفاع عن حبها الذي صنع لها حياة ماكانت تحلم بها أو تحظى بها لولا الدكتور ثائر الذي ثار على كل الدمار والشتات في عالم موحش مضطرب يُسِقط أبناء الوطن صرعى ميتين تحت ذرائع واهية.. فكان الهروب إلى عمّان قرارها الذي إتخذته كأول مرة تفكر فيه بمسؤولية لتبدأ شق طريقها نحو الإنسانية التي إبتغتها بعيدا عن الزيف الذي كانت تلبس ثوبه في ظل مكانتها كإبنة سفير! لتتمكن في الأخير من الذهاب إلى الوطن المجروح جرح ساكنيه، إلى الوطن المكلوم الذي يئن تحت وطأة الدمار والحرب إلى العراق الحبيب أين يسكن الحبيب الوطن «ثائر» في حي يدعى العامرية.. و قد تحول إلى حي ينبئ كل من يطأه أن لا عمار بقي هاهنا غير وجوه هؤلاء العجزة والعاجزين ممن تركتهم رحى الحرب التافهة يقتاتون على الدموع والأمل. يفترشون أرضا جرداء ويلتحفون سماء لونها رمادي كثيف كثافة حزنهم.. ينتظرون بزوغ فجر حرية وسلام على وقع لهيب نار أشعلوها بما تبقّى لهم من حطام. أملا في غد مشرق لهم أو لأبنائهم. لم أتمالك نفسي ولم أستطع أن أحبس دموعي في محطات كثيرة من فقرات هته الرواية الرقيقة الأسلوب القوية المعنى والقاسية الأحداث. في حالات ومرات نادرة جدا يحدث أن أجد شيئا ما يشبهني إلى حدّ بعيد ويشبه واقعنا العربي ..تلك الهواجس والمخاوف التي تكون وستظل دائما تُبلوِر مشاعرنا صانعة منّا كتلة من أحاسيسَ تقتلنا تارةً وتارةً تبعثنا لنحيا من جديد .
إنّها تجسيد حرفي ومشهد متسلسل لخيباتنا و نجاحاتنا المتعثّرة دوما في زمنن يأبى أن يتصالح معنا لنعيش في أوطاننا بأمان، ننشد الّسلام والحُبّ والفَرح. مهما تحدثت ومهما كتبت لا يمكنني بأية حال من الأحوال أن أعبّر عمّا يختلج خافقي. فهناك مساحة داخلي تأبى أن تخرج إلى العلن، ليس تكبرا بقدر ماهو تمردٌ ربما على حتميات صّرنا نكره أنفسنا بسببها ونتمنّى دوما واقعا مغايرا ونحلم ببلاد غريبة عنّا ونحن نملك هَاهُنا الحب والفرح... مُجبرين دومًا وبالتقادم على تحمّل غصّات عدّة، لا لشيء سوى لأننا خُلقنا في وطنٍ يدعى عربّي..يتجرّع كؤوس الألم تِباعا دون هوادة ولا يرتدع! وتجتاحني تساؤلاتٌ عدّة لم أستطع أن أجد لها جوابا.. ربما قد يشفي غليلَ إلحاحها جزءٌ ثاني من الرواية، أو تغيير فكٍر لدى جيل قادم يكون أكثر جبنا منّا حتى يُخوِّلَ لنفسه أنّه غير معنيّ بشيء..! أو أن يحمل على عاتقه ضرورة أن يحيا ولتتغيّر كل المفاهيم البالية.
 
 ربيعة حجوج
 


المزيد من ثقافة