الشقيقة الكبرى للأديب والصحفي الطاهر جاووت، نّا «ثاسعديث» للمحو اليومي: 

يؤلمني عدم حضور الطاهر ترسيم الأمازيغية التي ناضل من أجلها

  25 ماي 2016 - 10:35   قرئ 1537 مرة   حوارات

يؤلمني عدم حضور الطاهر ترسيم الأمازيغية التي ناضل من أجلها

 

كشفت الشقيقة الكبرى للأديب والصحفي الطاهر جاووت، نّا «ثاسعديث جاووت» عن بعض الصفات التي تميز بها المرحوم منذ صغره، وهو الذي تميز عن بني جيله بحبه الكبير للعلم والمعرفة، وتأسفت أن ذلك التعلق والوفاء للهوية الأمازيغية لم يُكتب لهما أن يثمرا بحضوره لوصول هذه اللغة إلى المرتبة التي تتواجد فيها الآن وهو الذي عايش حقبة النضال والمطالبة بترسيمها في الجزائر، مؤكدة أن تضحياته لم تذهب سدى ما دام أن الكثير لا يزال يتذكر ويدرك أن أمثال الطاهر جاووت خالدون إلى الأبد بما تركوه لوطنهم وللإنسانية.

يكفيها افتخارا بكونها أخت الصحفي والأديب الذي ظل قدوة لأجيال عديدة. التقت «المحور اليومي» بالشقيقة الكبرى لطاهر جاووت في مسقط رأسها بقرية أولخو فكان معها الحوار التالي:

  هل لكي أن تروين لنا بعض الوقفات التي تتذكرينها عن الطاهر رحمه الله؟

كان محبا للدراسة والمعرفة عامة، كنا في الفترة الاستعمارية ولم يبلغ بعد السن المحددة للدخول إلى المدرسة، لكنه أصر على الحضور في القسم الذي خصصته السلطات الفرنسية آنذاك للتلاميذ الجدد، ولم ينتظر أي كان لتسجيله، لكن بعد الاستقلال -ولموقع القرية ولعدة ظروف- لم تكن لنا مدرسة ليواصل تعليمة لقلة الأساتذة خاصة، وحز فيه الأمر كثيرا ما جعل الوالدة -رحمها الله هي الأخرى-تقلق كثيرا عليه، ولحسن الحظ لم نبق كثير ا في «أولخو» وقرّر الوالد أن نستقر كلنا في الجزائر العاصمة بحي القصبة حيث سجل نفسه سجل في احد المدارس هناك، وأتذكر أن كل نجاحاته لم تكن تفاجئه، سواء الشهادة الابتدائية، شهادة التعليم المتوسط بل حتى الباكالوريا. ثقة أفسرها بتلك المواظبة على العمل التي تربى وكبر بها. كنت الشقيقة الكبرى وكلما احضر له الطعام حين أراه منهمكا في مراجعة دروسه، أتفقده ساعة فيما بعد فأجد الطاهر لم يتناول أي شيء. وهذه هي الميزة التي انفرد بها عن جل أفراد العائلة. كان وطنيا مخلصا أحب الجزائر حبا لا يمكن أن أصوّره لكم، وعشق الامازيغية التي عليّ أن أقول شيئا بخصوصها. أتأسف كثيرا أنه رحل قبل أن ترى عيناه ثمار نضاله عليها رفقة الكثير من امثاله. سأروي لكم قصة: ذات يوم تابعناه على الشاشة في حصة تلفزيونية ويتكلم بالعربية، ولأننا لا تفهم الكثير فيها، حز فينا أن نتابع قريبا لنا على التلفزة ولا نفهم ما يحكي عنه، بعد أسبوع جاء الطاهر إلى القرية، فقال له زوجي: ألم يكن بإمكانك الحديث بالأمازيغية وانت الذي تتقنها جيدا؟ فأجابه بحنكته المعتادة « لا أملك خيارا أخر وتدرك الأسباب. نحن حاليا مثل ذلك الصبي الذي يحبو وسيقف يوما لا محال» وأتذكر جيدا حين أضاف هذه الجملة «ان شاء الله سيصل ذلك اليوم الذي سأحدثك فيه ككل الجزائريين بالأمازيغية على شاشة التلفزة». ناضل كثيرا ولم ندرك كعائلة وأقرباء له سر كل ذلك النشاط، عمل إلى رجال قدموا الكثير للجزائر ورحلوا جميعا تاركين أعمالهم شاهدة عليهم. كان وطنيا خالصا والدليل انه كان يملك كل شيء للاستقرار حين منحت له منحة للدراسة هناك في الثمانينات، لكن عاد إلى أرض الوطن بعد حصوله على شهادته في الصحافة، قالها لنا عدة مرات «أفضل خدمة هذا الوطن بعلمي.»

الكل يشهد أنه حين يزور القرية يتواصل جيدا مع أهلها ولم تغير فيه المدينة شيئا، ماذا تضيفين؟

لم يحاول أن يتباهى بعلمه ولا بالمستوى الذي وصل إليه. عندما يزور قرية أولخو فسكانها يرون الطاهر الذي عرفوه في الصغر، يحترم الكبار ويسعى دوما إلى الاستفادة من حكمتهم، ويتبادل أطراف الحديث مع الصغار بكل براءة، ولم يتكبر يوما عن أحد. شارك في كل الأشغال التي تقام من قبل القاطنين في قرته من ربطها بشبكة الماء وكذا تعبيد الطرق. مثلما رافقت انامله الريشة، حمل الفأس وساعد كل واحد منا بمقدوره. أحيانا يجدني في الحديقة فيأتي ليسلم عليّ أتردد في منحه يدي لأنها موسخة بالتراب فأراه يضحك ويقول لي « نانّا أويد أفوسيم، واكي ذاكال اييربان» -هاتي يدك فهذا هو التراب الذي تربيت فيه-كان فخورا ببداياته ولم يتكبر يوما عن أحد. في ذلك العام الذي قتل فيه، تم ربط القرية بشبكة الكهرباء فوعدنا في عيد الفطر أن يقضي عطلة الصيف معنا رفقة عائلته الصغيرة، وللأسف شاءت الأقدار أن يقضى عيد الأضحى في المقبرة. لن أحثكم عن تلك العلاقة التي تجمعه بأمه (والدتنا رحمها الله) كان مطيعا لها منذ صغره، ولا اكذب لو قلت إن اغتياله أثر في صحتها كثيرا ولم تتحمل وجع الفراق إلا أربع سنوات قبل ان تلتحق بابنها. ليس من السهل أن تخسر أم ابنا بحجم الطاهر.

وماذا عن التحقيق، هل ظهر جديد منذ اغتياله؟

صراحة لم نبحث عن الجهة المدبرة أو المنفذة. فوضنا أمرنا لله فمن قتله سيواجه الخالق في يوم الأخرة، وليس هناك ثأر أفضل من عدالة الله سبحانه وتعالى. كل ما في الامر ان الطاهر جاووت كان يعمل بكل نزاهة ورب عائلة. ومن أزعجه ذلك، وضع حدا لحياته.

كلمة أخيرة للقراء

كلما أرى هؤلاء الذين يتوافدون لزيارة قبره، أتأكد أن دماءه لم تذهب سدى. أتألم لأنه ترك فراغا كبيرا للعائلة، والحمد لله أن بناته الثلاث نجحن في الدراسة، وثأرنا على القدر بطريقتهن الخاصة، وكل من يعرفه وقرأ عنه من قريب وبعيد يفتخر بنضاله ونضال أمثاله.


المزيد من حوارات