الحلقة 25 _ابرهاردت تسترجع ذكرياتها من مرسيليا عن وادي سوف-

  05 سبتمبر 2016 - 15:19   قرئ 64690 مرة   مساهمات

الحلقة 25 _ابرهاردت تسترجع ذكرياتها من مرسيليا عن وادي سوف-

والزرائب من جريد النخيل اليابس وبعض الظلال لإبل مستقلة ورابضة في معاقلها، تعلو سنامها سروج مخروطية من شرائح خشبية: ومنهم جمل  وحيد السنام رمادي كان منتصبا ورجله مبتل ومربوط وتبعا لما هو متعارف عليه لدى النادر من النساء بخرقهن الزرقاء وتقريبا سوداء ذات الشكل  الإغريقي (الهيليني) دخلن إلى ديارهن منحنيات تحت ثقل  ـ قرب الماء  ـ أو الجرار المشابهة للقوارير والتي وجدت من آلاف السنين قبل ظهورهن والنساء من العرق القدري من °سام° يغرفن الماء من الينابيع الكنعانين كل هذا في البريق الوردي القزحي ولؤلؤي اللون على مقربة من الأرض البيضاء من السهل الواسع لأولاد «التواتي». 

وفي إحدى الأماسي وبعد جولة قصيرة هناك محطة في ظلال النخيل أسفل شط «دبيلة» وبشكل مفاجئ «سوف» تمردت رافضة الظهور وتحيلنا إلى مسلخ «الواد» للنط على مسلك مقوس.

دخلت وحدي مع انحراف القرية «قادري» الخارق لـ «ضواي روحا» باتجاه اليمين المحفوف بالمخاطر تشد الحدائق ملتوي وضيق وحاد في أعلاه.

ومباشرة بعدما انتهى المؤذن من أذان المغرب شرع المؤمنون في أداء الصلاة جماعة بلباسهم الأبيض مثل كتلة الثلج، مررت أمام مسجد صغير «لأولاد خليفة» أو «مصاعبة» (لست أبدا بالضبط في عمق الموقف المتعلق بهم وهم جيران). وحولي كل شيء متوهج بلوني الأرجواني والذهبي وعمى قلبي السريع الزوال الغارق في الظلام كان هادئا؟

وفي الكثير من المرات: أماسي مرت علي إلى حد المعاناة حيث في عجالة من الركد مستلقية على فرس دحمان، أين عبرت أولاد أحمد وأولاد التواتي والبيضة ولقباب باتجاه سيدي «اليمان» لطلب النجدة. وما زلت أبصر أقدم زاوية كبيرة لـ»سوف» متداعية ومنتصبة على تلال رملية منخفضة بقبتيها المتناظرتين وكلاهما مضاءتان بشكل غير مباشر من لمعانهما وما زال اللون الوردي بالكاد، أمسية ذات الصمت الغريب مرحب بها بين القلق قبل النفي إلى مرسيليا؟

وأيضا هذا المغرب المسبق حيث القلب يحضن قلقا مؤثرا؟ انتظرت سليمان على التلة الرملية التي تطل على المقبرتين الحزينتين المسيحية واليهودية وإلى الشرق المقبرة المسالمة °لأولاد أحمد°... والمصابيح الليلية للجمعة المقدسة المشتعلة بشعلتها الصفراء، وعلي الوفي يجوب ولا يعرف ماذا يفعل ببرانيس سليمان بين القبور.

آخر غروب للشمس لنا في الصحراء وهو ما يمثل لآخر وداع لها... وحدنا سوف نلج تحت ظلال النخيل لمدينة بسكرة القديمة، عندما ترجيت سليمان لكي يدير لجام الفرس.. خلفنا شساعة الصحراء ازدادت امتدادا حينها خيم الظلام وقرص الشمس الأحمر مجردا من أشعته نزل إلى خط الغروب، وتقريبا سواد الفيافي وسط محيط لونه أحمر أرجواني:

ـ قلت: إنه وطننا؟

ـ وأضفت بقولي: سنعود إليه قريبا ولن نغادره أبدا؟

ـ ورد سليمان بقوله: أمين؟

مظلومة ومضطهدة مثلي وحزينة على مغادرة هذه الأرض إنها الأرض الوحيدة التي رغبت الموت بها؟

ـ منذ ذلك العهد لم أشهد سحر مغرب الصحراء، هل لا أراه من جديد أبدا؟ 

 

يتبع  ...

 


المزيد من مساهمات